لا شك في أن الحديث عن التقدم المتسارع في استخدامات الذكاء الاصطناعي أصبح حديث المجالس ويأخذ حيزًا في خانة المواضيع الأكثر تداولًا في منصات التواصل الاجتماعي. على المستوى الشخصي قضيت بعض الوقت خلال العامين الماضيين في القراءة والإطلاع وحضور بعض الدورات التدريبية الحضورية والافتراضية في مجال الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته. وبحكم التخصص في مجال الرعاية الصحية والتأهيل، أحببت أن أشارككم نبذة حول ما اطلعت عليه من معلومات حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي. أو ما يعرف بنهاية حقبة الصحة 2.0 وبداية عصر الصحة 3.0.
يعتقد الخبراء بأن الذكاء الاصطناعي سيكون أداة تقنية ذات استخدام عام (general-purpose technology)، وسيحدث تحولًا كالذي أحدثته الكهرباء بالثورة الصناعية الثانية، وذلك بفضل قدرته على تعزيز وتحسين كفاءة العديد من القطاعات، بما في ذلك الرعاية الصحية.
وبالتأكيد، ليست كل التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة اليوم على إحداث تحول جوهري، ولكن منها أطلق في منظومة القطاع الصحي ومنها ما هو جاهز للتجربة والاختبار للإطلاق إذا أثبت فاعليته وكفاءته كبديل لآليات سير العمل وتقديم الخدمات الحالية. وحتمًا سيغير الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته مفهوم تقديم الخدمات الصحية.
قد تكون هذه المعلومات مهمة للقارئ العربي ولرواد الأعمال والمستثمرين وكذلك الممارسين الصحيين أو من يعمل في القطاع الصحي وكذلك الطلاب والطالبات في كليات الطب والكليات الصحية. وستكون على شكل سلسلة من 3 مقالات. ألخص في المقال الأول مراجعتي البسيطة للمجال البحثي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي والمراكز البحثية الأكثر شهرة نشاطًا، ومجال تطبيقات نماذج الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي والجهات المشرعة لتلك التطبيقات.
المجال البحثي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي
تشير إحدي التحليلات الببليومترية المنشورة بداية العام 2025 أنه، خلال 30 سنة الماضية، نُشر ما يقارب 23 ألف ورقة علمية باللغة الانجليزية في مجلات علمية محكمة في هذا المجال، وكان هناك نمو سنوي بمقدار 27%، ومن المثير نشر أكثر من 19,956 ورقة من عام 2019-2023.
ويوضح الجدول أدناه عدد المرات التي ساهم فيها مؤلفون ينتمون لمؤسسات في الدول المختلفة، حيث وصلت إسهامات الباحثين من الولايات المتحدة (41%)، يليها الصين (18%)، والهند (7.15%)، ثم المملكة المتحدة (7%). وقد كان الباحثون والباحثات الذين ينتمون لمؤسسات وجامعات سعودية من ضمن قائمة الباحثين في الدول الأكثر إسهامًا بالمجال.
| البلد (Country) | Number of publications |
| الولايات المتحدة الأمريكية (USA) | 28663 |
| الصين (CHINA) | 12740 |
| الهند (INDIA) | 4926 |
| المملكة المتحدة (UK) | 4821 |
| كندا (CANADA) | 3567 |
| كوريا الجنوبية (SOUTH KOREA) | 2842 |
| ألمانيا (GERMANY) | 2644 |
| إيطاليا (ITALY) | 2582 |
| أستراليا (AUSTRALIA) | 2459 |
| إسبانيا (SPAIN) | 1850 |
| المملكة العربية السعودية (SAUDI ARABIA) | 1764 |
ومن جانب التعاون البحثي، بدا أن الصين تُظهر إنتاجًا بحثيًا غزيرًا وتعاونًا متكررًا مع دول أخرى، مقارنة بالولايات المتحدة والهند. وكانت أكثر المواضيع تناولًا تتعلق بالشبكات العصبية والطب السريري وأنظمة دعم القرار. و كانت أكثر الأوراق البحثية التي استشهد بها هي (Machine learning: Trends, perspectives, and prospects)، وقد يكون من غير المستغرب أن أكثر 5 منشورات استُشهد بها تتركز جميعها حول مواضيع متعلقة بـ ChatGPT.
مراكز الأبحاث المختصة بالذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي
هناك العديد من المراكز البحثية التي تقود القطاع وتعمل على تطوير أساليب وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحسين الصحة وإجراء أبحاث متطورة في مجالات مثل تحليل التصوير الطبي، ودعم القرارات السريرية، والخوارزميات التشخيصية، والنمذجة التنبؤية، وكذلك التنفيذ المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.
ومن خلال بحثى و اطلاعي السريع على ما يقومون به، أسرد منها:
- كلية الطب بجامعة هارفارد
- مركز ستانفورد للذكاء الاصطناعي في الطب والتصوير
- نظام جامعات كاليفورنيا ( سان فرانسيسكو، بيركلي، لوس أنجلس، سان ديقو، ديفيس)
- مبادرة الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي بجامعة بنسلفانيا
- عيادة عبداللطيف جميل للذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا
- جامعة تورنتو – كندا
تطبيقات واستخدامات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي
بحسب تقرير بعنوان “مستقبل القطاع الصحي المدعوم بالذكاء الاصطناعي” والذي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG)، فإن الذكاء الاصطناعي سيغير طريقة عمل العديد من أصحاب المصلحة في القطاع الصحي كما يلي:
- شركات الأدوية: يمكن للذكاء الاصطناعي تعزيز اكتشاف الأدوية، والعلاج الموجه للمريض، والعلاج الدقيق من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات. ويمكن أن تسرّع الخوارزميات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التجارب السريرية وتحسن من تصميم الأدوية.
- مقدمو الرعاية الصحية: للذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة في أتمتة فحص المرضى، والرعاية الصحية الذاتية، ومعالجة المستندات وتحليلها، والتعرف على الصور والأشعة الطبية. وبالتأكيد، فإن لتقنيات الذكاء الاصطناعي دورًا مهمًا في تحسين التوافق بين سجلات الصحة الإلكترونية والذي لا يزال يمثل تحديًا لمختلف الدول حول العالم.
- التقنيات والابتكارات الطبية: من المؤكد أن يحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في تصميم الأجهزة الطبية وإدارة سلسلة الإمداد والتوريد بكفاءة أعلى وأقل تكلفة من خلال تحديد المخاطر وتحسين العمليات.
- الخدمات والعمليات التشغيلية: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد بيانات صناعية لتدريب النماذج، ويتتبع المخزون، ويحسن تبادل البيانات/التوافق، ويعزز الخدمات السحابية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. يمكن أن تزيد هذه التحسينات من الكفاءة التشغيلية وسرعة اتخاذ القرارات.
- شركات التأمين والمدفوعات: بلا شك، ستساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي شركات التأمين من خلال تحسين عملية الاكتتاب وتقييم وتحليل مخاطر العملاء المحتملين قبل قبولهم في بوليصات التأمين، والكشف عن الاحتيال، وأتمتة معالجة المطالبات، وتحسين عمليات التسعير، وإدارة المخاطر. إضافة إلى ذلك، سيحسن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي من تجربة العملاء من خلال المساعدات الذكية، وسيحسن من التنبؤ بالسلوك والكفاءة التشغيلية، مما يقلل التكاليف ويزيد الفعالية.
- هيئات الصحة العامة: بحكم طبيعة عمل ومستهدفات هيئات الصحة العامة، فإن الذكاء الاصطناعي سيكون له دورًا في تحسين مراقبة الصحة العامة، مما يسمح بالكشف السريع والوقائي عن الأوبئة والأمراض ما سيسهم في تحسين تخصيص الموارد تماشيًا مع استراتيجيات الصحة العامة.
و في مجال الرعاية الصحية بالتحديد، هنالك العديد من الإمكانات التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي بالنظر في تطبيقاته ضمن ثلاثة مجالات منفصلة:
- البحوث الطبية الحيوية: يساعد الذكاء الاصطناعي في إجراء التجارب الآلية، وجمع البيانات تلقائيًا، وتوضيح وظائف الجينات، والتنقيب في البحوث الطبية.
- البحوث الانتقالية (ترجمة الأبحاث إلى تطبيقات عملية): يساعد الذكاء الاصطناعي في اكتشاف المؤشرات الحيوية (Biomarkers)، وتحديد الأهداف الدوائية ذات الأولوية، وتوضيح تأثير الطفرات الجينية.
- الممارسة السريرية (الاكلينكية): يُستخدم الذكاء الاصطناعي في المساعدة على تشخيص الأمراض بكفاءة وفاعلية، واختيار العلاج المناسب، ومراقبة المرضى وتنبيههم وتقديم التوصيات الطبية، وتطوير نماذج تحديد المخاطر.
الجهات المشرعة لاستخدام الحلول التقنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي
يساهم المنتدى الدولي للهيئات التنظيمية للأجهزة الطبية (IMDRF) في تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي، وهو جهة تضم هيئات تنظيمية في قطاع الأجهزة الطبية على مستوى العالم. الهدف الرئيس لهذا المنتدى تحسين التعاون الدولي في تنظيم الأجهزة الطبية، بما في ذلك الأجهزة الطبية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وذلك من خلال:
- وضع إرشادات تنظيمية لضمان الأمان والفعالية.
- تحديد معايير السلامة والأداء للأجهزة الذكية.
- التقييم المستمر والتوثيق لضمان الامتثال مع مرور الوقت.
- تعزيز الشفافية والإبلاغ من الشركات المطورة.
- تعزيز التعاون الدولي لتوحيد المعايير التنظيمية.
ويُعرف البرنامج الذي يُركز عليه المنتدى بـ “البرمجيات كجهاز طبي” (Software as a Medical Device – SaMD)، وهو برنامج يُستخدم للأغراض الطبية مثل التشخيص أو العلاج أو الوقاية، دون أن يكون جزءًا من جهاز طبي مادي. تعتمد اللوائح التنظيمية على تقييم مخاطر استخدام البرمجيات الطبية، وتصنيفها إلى أربع فئات:
- الفئة الأولى (I): منخفضة المخاطر وتتطلب ضوابط عامة.
- الفئة الثانية (II): متوسطة إلى معتدلة المخاطر، وتتطلب ضوابط إضافية مقارنة بالفئة الأولى
- الفئة الثالثة (III) والرابعة (IV): عالية المخاطر وتتطلب وقد تتطلب دراسات سريرية لإثبات سلامتها وفعاليتها.
وتشجع إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تطوير الأجهزة الطبية والبرامج المبتكرة والآمنة والفعالة، بما فيها الأجهزة المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة (AI/ML)، وكان هناك زيادة في عدد الأجهزة الطبية المعتمدة خلال السنوات الماضية حتى وصلت إلى اعتماد أكثر من 1000 جهاز مدعم بهذه التقنيات، كما صُنفت الأجهزة حسب التخصص على النحو التالي:
- الأشعة: 76.48%
- القلب والأوعية الدموية: 10.24%
- الأعصاب: 4.13%
- أخرى 9.15%
التحقق العلمي والتنظيمي لأنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في القطاع الصحي
نظرًا لحساسية البيانات الخاصة بالمستفيدين والتأثير على سلامتهم، تمر تطبيقات ونماذج الذكاء الاصطناعي بعدد من مراحل الفحص والتمحيص قبل إطلاقها وتفعيلها.
- الارتباط السريري الصالح (Valid Clinical Association)
يشير المصطلح إلى مدى ارتباط الجهاز الطبي المعتمد على الذكاء الاصطناعي بحالة مرضية أو نتيجة سريرية ذات صلة. بمعنى آخر، التحقق مما إذا كانت مخرجات النظام الذكي مرتبطة فعليًا بمرض معين أو مؤشر سريري مهم. فإذا كان النموذج القائم على الذكاء الاصطناعي مصممًا لاكتشاف اعتلال الشبكية السكري من صور شبكية العين، فإن هذه المرحلة تضمن أن الخوارزمية تحدد فعليًا الخصائص المرتبطة بالمرض وليس مجرد أنماط عشوائية.
- التحقق التحليلي/التقني (Analytical/Technical Validation)
يضمن هذا التحقق أن نظام الذكاء الاصطناعي يعمل بموثوقية واتساق ودقة في ظل ظروف وبيانات مختلفة. ويركز على تقييم أداء الخوارزمية من حيث المعايير التقنية مثل الدقة، والحساسية، والخصوصية، والقابلية للتكرار، والمتانة. على سبيل المثال، إذا كان هناك نظام ذكاء اصطناعي لتحليل تخطيط القلب (ECG) للكشف عن اضطرابات النظم القلبي، فإن هذه المرحلة تقيم ما إذا كانت الخوارزمية تنتج نفس النتائج عند إدخال البيانات نفسها، وما إذا كانت تعمل بدقة عبر أنواع مختلفة من إشارات تخطيط القلب.
- التحقق السريري (Clinical Validation)
يهدف إلى إثبات أن الجهاز الطبي المعتمد على الذكاء الاصطناعي يقدم فوائد سريرية ذات معنى عند استخدامه في بيئات الرعاية الصحية الحقيقية. يُقيّم تأثير الجهاز على نتائج المرضى، وفعاليته في مساعدة الأطباء، ومدى أمانه. وذلك من خلال التجارب السريرية أو الأدلة المستمدة من الاستخدام الفعلي. على سبيل المثال، إذا طورت أداة ذكاء اصطناعي لاكتشاف سرطان الرئة من صور الأشعة، فإن التحقق السريري يشمل دراسات لمعرفة ما إذا كان استخدام الأداة يؤدي إلى اكتشاف مبكر، ويحسن قرارات العلاج، ويقدم نتائج أفضل للمرضى مقارنة بالطرق التقليدية.
لماذا هذه الخطوات مهمة؟
تشكل هذه المراحل الثلاث الأساس لتنظيم واعتماد الأجهزة الطبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. تتطلب الهيئات التنظيمية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، والوكالة الأوروبية للأدوية (EMA)، وهيئة الغذاء والدواء السعودية (SFDA) إثبات فاعلية هذه الإجراءات وأمانها قبل السماح باستخدام أي نظام ذكاء اصطناعي في الرعاية الصحية. وهذا يضمن أن النظام ليس فقط دقيقًا من الناحية التقنية، ولكن أيضًا مفيدًا سريريًا وآمنًا للمرضى.