مع التقدم والتفوق في المملكة العربية السعودية وفق رؤية 2030 وركائزها، يستمر التحول من اقتصاد يعتمد على الموارد التقليدية بالذات البترول إلى اقتصاد معرفي وتقني يقوده الابتكار العلمي والهندسي وفي صميم هذا التحول، تتجلى أهمية بناء منظومة متكاملة للتقنية العميقة، التي تمثل الإطار الذي تلتقي فيه الابتكارات العلمية والهندسية المتقدمة وروح ريادة الأعمال بهدف خلق تقنيات تحويلية متقدمة وقادرة على إحداث تأثير مزعزع وإيجابي في المحتوى التقني والصناعي المحلي.
وعلى خلاف القطاعات التقنية التقليدية، مثل شركات التقنية الناشئة التي تركز غالبًا على البرمجيات والتطوير التدريجي السريع والجولات الاستثمارية المتتالية، تستند التقنية العميقة بطبيعتها إلى اختراقات علمية وهندسية جوهرية. فهي تقوم على أسس الفيزياء والكيمياء والأحياء والهندسة المتقدمة لحل مشكلات كانت تُعد مستحيلة سابقًا. بدءًا من الحوسبة الكمية إلى تقنيات الفضاء، ومن التقنية الحيوية إلى أنظمة الطاقة المتقدمة، تتسم التقنية العميقة بالتعقيد وارتفاع التكلفة، وطول دورات البحث والتطوير، بالإضافة إلى اعتمادها على رأس مال صبور بنظرة طويلة الاجل. ومع ذلك فإن أثرها التحويلي فعال وهائل، إذ تعيد تشكيل الصناعات، وتخلق أسواقًا جديدة، وتؤسس ميزة تنافسية طويلة الأمد.
الأهمية الاستراتيجية للتقنية العميقة
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، لا تُعتبر التقنية العميقة خيارًا ثانويًا بل هي ضرورة استراتيجية لتتويج نجاحات وانجازات رؤية 2030 إذ إنً أهداف المملكة المتعلقة بالتنويع والاستدامة والريادة العالمية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الاستثمار في المجالات التي يلتقي فيها العلم مع التقنية كواقع قائم لقيادة قفزات وانجازات نوعية تقنيًا في المستقبل المنظور.
يتجلى هذا الواقع من معرفة أنشطة التقنية العميقة كالذكاء الاصطناعي، والروبوتات والدرونز، وهندسة المواد المتقدمة، والحوسبة الكمية، والتقنية الحيوية، الطاقة المتجددة، وتقنيات الفضاء حيث نأمل أن تكون هذه الأنشطة ركائز أساسية في مستقبل تنوع الاقتصاد السعودي لكونها ستحقق أهداف رئيسة للمملكة على راسها:
- تنويع الاقتصاد: تخلق التقنية العميقة صناعات جديدة بالكامل في مجالات الطاقة النظيفة، والتصنيع المتقدم، والتقنيات الطبية، وصناعة الفضاء. وعلى عكس الصناعات التقليدية، فإن هذه الانشطة تحقق نموًا طويل الأجل وعالي القيمة وأقل عرضة لتقلبات أسعار السلع.
- بدائل الطاقة والاستدامة: تقنيات مثل البطاريات المتقدمة، وحلول الهيدروجين، واحتجاز الكربون ستُمكّن المملكة من قيادة الاقتصاد الأخضر العالمي وتصدير المعرفة إلى جانب الطاقة.
- الأمن الوطني والسيادة الاستراتيجية: امتلاك تقنيات أشباه الموصلات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الكمية، والتقنيات الدفاعية يقلل الاعتماد على سلاسل الإمداد الأجنبية، ويعزز السيادة، ويزيد النفوذ الأمني الإقليمي.
- التنافسية العالمية: بتحول المملكة إلى مركز للبحث والتطوير العلمي والتجاري في التقنية العميقة، يمكنها جذب المواهب والاستثمارات والشركات العالمية، مما يجعلها بمثابة وادي سيليكون جديد للعلوم والهندسة المتقدمة في الشرق الأوسط.
المعادن الحرجة (تشمل المعادن النادرة): وقود الابتكار
لا يمكن لأي منظومة للتقنية العميقة أن تزدهر دون الوصول إلى المواد الاستراتيجية سواءً محليًا أو عالميًا. فالمعادن الحرجة التي تشمل المعادن النادرة (مجموعة محددة من 17 عنصرًا– REE-Rare Earth Elements)؛ ندرتها تعني مواقع تواجدها وليس كمياتها مثل الليثيوم، والكوبالت، والنيوديميوم، والديسبروسيوم، والتانتالوم، والغاليوم، والإنديوم، وتمثل العمود الفقري للتقنية المتقدمة مثل:
- الطاقة والمواصلات: الليثيوم والكوبالت يشغّلان البطاريات للمركبات الكهربائية وتخزين الطاقة ودمج الطاقة المتجددة على نطاق واسع.
- التصنيع المتقدم والروبوتات: النيوديميوم والديسبروسيوم يتيحان إنتاج مغناطيسات قوية للتشغيل الآلي والروبوتات وتوربينات الرياح.
- أشباه الموصلات والفوتونيات: الغاليوم والإنديوم أساسيان في تصنيع أشباه الموصلات، والخلايا الشمسية، وتقنيات الحوسبة المستقبلية.
- الفضاء والدفاع: التانتالوم والتنغستن يدعمان أنظمة الطيران والفضاء، والإلكترونيات الدقيقة، والسبائك و الخلائط المعدنية عالية الأداء.
وقد بدأت المملكة بالفعل في تطوير قطاع التعدين ضمن رؤية 2030، حيث تمثل المعادن الحرجة التي تشمل المعادن النادرة جسرًا حيويًا يربط بين الميزة الطبيعية للمملكة ومستقبلها التقني وذلك من خلال استغلال الموارد المحلية من هذه المعادن، وبناء شراكات دولية، والاستثمار في التعدين، وبهذا يمكن للمملكة أن تصبح ليس فقط مستهلكًا، بل أيضًا موردًا عالميًا وشريكًا استراتيجيًا في اقتصاد المعادن النادرة.
الخطوات المبكرة واستراتيجيات التنفيذ
مع أن الأسس والمبادرات الداعمة لمنظومة التقنية العميقة لم تتبلور بعد بالكامل كما يجب كسياسات وتنظيم ،إلا أن هناك مبادرات واعدة تشير إلى وجود نية جادة وزخم لتسريع وتيرة الانخراط في توحيد الجهود والاستراتيجيات وذلك من خلال برامج منفردة مثل وزارة الصناعة والثروة المعدنية (MIM)، ووادي الظهران للتقنية (DTV)، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)، ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (KACST)، وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST)، وكالة الفضاء السعودية (SSA)، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار (RDIA)، حيث يمكن للجهود المبكرة من هذه الكيانات ان تتظافر وتتوحد لتحقيق التالي:
- المواءمة التنظيمية والحوافز: إنشاء هيئة متخصصة ومستقلة لمشاريع التقنية العميقة وتوحيد الجهود وصياغة سياسات تقلل المخاطر في البحث والتطوير المبكر، وتشجع على الابتكار التجاري، وتحمي الملكية الفكرية وتجذب الاستثمار لهذه المشاريع.
- مراكز البحث والتطوير (R&D) : الاستمرار في إنشاء وتوسيع ودعم مراكز البحث والتطوير والمختبرات في الجامعات والمدن الصناعية والشركات التقنية المتقدمة، وربط البحث العلمي بالابتكار التطبيقي.
- رأس المال الاستثماري وآليات التمويل: إطلاق صناديق متخصصة في التقنية العميقة، وحاضنات ومسرعات، واستوديوهات ابتكار تراعي دورات التطوير والبحث الطويلة للشركات العلمية والهندسية الناشئة بجانب إشراك القطاع الخاص كلاعب رئيسي.
- أمن المواد والمعادن الاستراتيجية: تطوير سياسات قوية لتأمين وتعدين وتدوير المعادن الحرجة وتخصيص برامج مساندة لها، بدعم من الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ومراكز البحث والتطوير المحلية بقيادة وزارة الصناعة والثروة المعدنية.
- تطوير المهارات والمواهب: بناء مسارات متعددة للتخصصات المتقدمة للمهندسين والعلماء في الجامعات ودعم رواد الأعمال عبر برامج المنح الدراسية والبعثات الاستطلاعية لمراكز التقنية العالمية، والشراكات الدولية، والبرامج الموجهة نحو الصناعة التقنية المتقدمة.
- التعاون العالمي والتكامل في الأسواق: جعل المملكة مركزًا استراتيجيًا في شبكة التقنية العميقة العالمية عبر تحالفات والشركات الموجه لنقل وتوطين التقنية، والمشاريع المشتركة، والوصول للأسواق.
- مشاركة القطاع الخاص بدعم حكومي: يتطلب بناء منظومة مستدامة للتقنية العميقة من خلال مشاركة رأسمالية قوية من القطاع الخاص، مدعومة بحوافز حكومية وتوزيع مخاطر التطوير والبحث. هذا التعاون يعزز تسويق الابتكارات والاختراعات، ويسرّع التوسع، ويضمن القدرة التنافسية طويلة الأمد ومستدامة في إطار رؤية 2030.
الأعمدة والعوامل الأساسية لتطوير التقنية العميقة
يتطلب نمو التقنية العميقة في المملكة بناء منظومة متكاملة تستند إلى عدة أعمدة أو عوامل مترابطة. يبدأ الأمر من قاعدة بحثية علمية قوية في مجالات الفيزياء والكيمياء والأحياء والمواد المتقدمة والهندسة، مدعومة بشراكات بين الجامعات والقطاع الصناعي. ويتطلب ذلك تمويلًا طويل الأمد يلائم طبيعة المشاريع البحثية المعقدة.
كما أن المواهب والمهارات ركيزة أساسية وذات أهمية عالية، إذ تحتاج المملكة إلى تطوير واستقطاب علماء ومهندسين ورواد أعمال عالميين بجانب المحليين في التقنية العميقة. ويُضاف إلى ذلك وجود بنية تحتية متقدمة تشمل مراكز البحث والتطوير والمختبرات المتخصصة و مرافق للتصنيع والتجريب. أما سلاسل التوريد والمواد، وعلى رأسها المعادن الحرجة، فيجب تأمينها وتعزيز ارتباطها بالصناعة المحلية.
ولا يقل أهمية عن ذلك الإطار التنظيمي (هيئة حكومية مستقلة وجامعة) الذي يحفز الابتكار ويضمن حماية الملكية الفكرية ويطور السياسات ويقلل المخاطر للمؤسسين والمستثمرين. ويلعب القطاع الخاص دورًا محوريًا كشريك للحكومة في الاستثمار والتطوير والتوسع. وأخيرًا، يظل التعاون الدولي والشراكات الإستراتيجية وتبادل البعثات العلمية عاملًا حاسمًا لربط المملكة بأحدث الأبحاث ومراكز التقنية والأسواق العالمية وتعميق المعرفة التقنية محليًا.
إن هذه الأعمدة وغيرها من العوامل الهامة مجتمعة تهيئ الظروف اللازمة لازدهار وتوسع منظومة التقنية العميقة، وتمكّن المملكة من الانتقال من الخطوات الأولى والمبادرات القائمة إلى منظومة راسخة و مستدامة يقودها الابتكار والبحث والتطوير.
لماذا التقنية العميقة مهمة أكثر من أي وقت مضى؟
التقنية العميقة ضرورة واقعية وملحة لمسار استراتيجي وأساس للقوة الاقتصادية المستقبلية. فالدول التي تمتلك قدرات التقنية العميقة ستحدد إيقاع الابتكار العالمي في المستقبل المنظور، وتشكًل وتطور سلاسل الإمداد، وتفرض نفوذها على مختلف الصناعات وسلاسل الامداد المحلية والعالمية. وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن تبنًي التقنية العميقة وتطوير منظومتها يمثل فرصة لـــ:
- تجاوز النماذج التقليدية للتنمية بناءً على مخرجات رؤية 2030 وتأسيس الريادة في التقنيات العميقة المتقدمة.
- بناء صناعات مرنة ومتقدمة أقل اعتمادًا على أسواق النفط وأكثر انسجامًا مع التحولات التقنية العالمية.
- إلهام جيل جديد من العلماء والمهندسين والمبتكرين السعوديين، وجعل الابتكار جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية.
- تعزيز النفوذ في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية عبر أن تصبح المملكة لاعبًا لا غنى عنه في سلاسل الإمداد التقنية.
- الاستفادة من الثروات المعدنية والمعادن الحرجة التي تمتلكها المملكة كقاعدة استراتيجية لتمكين و تطوير تقنيات البطاريات، والروبوتات، وأشباه الموصلات وغيرها من أنشطة التقنية العميقة التي تعتمد على هذه المعادن.
- جذب الاستثمارات الدولية والشراكات العالمية لتطوير مراكز الأبحاث ومساندة الشركات الناشئة المتخصصة في التقنية العميقة داخل المملكة سواء كانت هذه الشركات محلية او دولية.
الخاتمة
إن الاستثمار الفعّال والفاعل وبالأخص من القطاع الخاص في التقنية العميقة اليوم لا يضمن فقط مواكبة المملكة للتطور التقني العالمي، بل يضعها في موقع قيادي قادر على توجيه هذا التطور. كما يفتح آفاقًا كثيرة لخلق قيمة اقتصادية كبيرة، وتعزيز القدرة التنافسية، ودعم الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية. ولتحقيق هذا الهدف، تبرز الحاجة إلى العلماء والمهندسين المحترفين المهرة باعتبارهم العنصر البشري القادر على تحويل الأفكار العلمية إلى تطبيقات عملية، إضافةً إلى المزيد من إنشاء مراكز البحث والتطوير متقدمة تُسرّع من وتيرة الابتكار وتدفع عجلة التقنية العميقة نحو الأمام.
تمثل التقنية العميقة ركيزة أساسية لرؤية المملكة 2030، من خلال بناء منظومة متكاملة تجمع بين التميز التقني والعلمي، وروح ريادة الأعمال، والاستفادة من المعادن الحرجة الاستراتيجية التي تمكّن تطور التقنية العميقة. ومن خلال هذا الإطار، يمكن للمملكة تسريع تحولها إلى لاعب رئيسي وفاعل في مجال الابتكار في المدى الطويل، حيث لا تُعد المعادن الحرجة مجرد سلع، بل مُمكّنات أساسية تدعم مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والمواصلات، وأشباه الموصلات، وتقنيات الفضاء.
انطلاقًا من هذه المرتكزات، واستنادًا إلى رؤية مستقبلية شاملة، سيشكل توحيد هذه المبادرات نقطة تحول استراتيجية وأساسًا لمنعطف حاسم و نوعي طويل الأمد، يعزز ويرسخ ريادة المملكة في مجالات التقنية العميقة، ويضمن استدامة الأثر التنموي تتوارث ثماره الأجيال القادمة.