جزء من شبكة صفر لواحد الإعلامية

اختبارات الكونسيرج للأفكار الريادية

في 2018 أسسنا منصة متخصصة في مجال التقييم العقاري واستغرقنا قرابة 7 أشهر في بناء المنتج. بعد النزول للسوق واختبار المنتج اكتشفنا أنه رغم وجود احتياج كبير بين الفئة المستهدفة إلّا أن إجراءات النظام كانت غير مناسبة لهم. وكنّا أمام خيارين: إما الانتظار شهرين إلى ثلاثة إضافية لحين تعديل الحل بما يتناسب مع الفئة المستهدفة، أو استهداف فئة أخرى يناسبها الحل الحالي لكنها صغيرة في حجمها والعوائد منها. ولأننا استُنزفنا لقرابة 9 أشهر من المصروفات لم نمتلك رفاهية العودة والتحسين، بل قررنا المواصلة مع الشريحة الصغيرة لأنها سوف تدر عوائد مالية. بعد سنة ونصف تقريبًا من العمل قررنا قتل المنتج بسبب صعوبة الاستدامة لضعف هامش الربح.

 

هذه القصة ليست فريدة، تقول الإحصائيات أن قرابة 97٪ من الشركات الناشئة تقفل أبوابها خلال أو 3 سنوات، وتتعدد الأسباب لكن أكثرها تأثيرًا هو بناء منتج لا يهتم له الجمهور، إمّا أن المشكلة التي يحلها المنتج ليست موجودة أو ليست بتلك الأهمية من زاوية المستخدم، أو أن المشكلة موجودة ومهمة لكن الحل المقدم أو إجراءاته بُنِيَ بطريقة خاطئة.

في إدارة المنتجات هناك العديد من الأساليب لتقليل ذلك الخطر، وأغلبها يتمحور حول النزول بسرعة للسوق بنسخة تجريبية والتطوير المستمر، بمعنى آخر عدم الوقوع في فخ بناء البرمجيات في مراحل مبكرة، لأنه يستهلك الوقت والجهد. أحد تلك الأساليب هو الكونسيرج الذي سنتحدث عنه في السطور القادمة.

 

فخ الصورة النهائية

من الطبيعي أن يفكر رائد الأعمال في الوجهة التي يريد الوصول إليها ورؤيته للمشروع والصورة النهائية للهوية التجارية التي يتخيلها، وعلى أهمية هذا الجانب في سياقات محددة إلا أنه قد يكون عائقًا عند التنفيذ، لأن تلك الصورة وحضورها الدائم في ذهنه طيلة الوقت تجعله مثاليًا جدًا، فبينما لا يزال في البدايات واختبار المنتج يفكر في التوسع لفئات عملاء إضافية، أو يريد بناء حل تقني مثالي ومتكامل، أو كيف يتحمل عدد كبير من المستخدمين، أو خدمة ذاتية لمزودي الخدمات بحيث يكون أسهل إضافة الكثير من المنتجات، وهكذا. هنا لا نُعمم لكن نتحدث عن كثيرين لا سيما من المستجدين في رحلتهم الريادية.

يقول بول غرهام أحد عرّابي الشركات الناشئة عن التحقق في المراحل الأولية: “Build things that don’t scale”. يقصد بذلك أن لا تشغل نفسك بالتفكير في بناء منتج مثالي قابل للتوسع في المراحل الأولية، حتى تتحقق من أكبر المخاطر التي لديك.

وهناك مشاكل جميلة أن تحدث، مثل أن يأتي عدد كبير من المستخدمين لمنتجك في نسخته التجريبية، وهذا مؤشر على وجود احتياج عالي للمنتج وستتعامل مع تلك الحالة وقتها، لكن ليس من المؤكد حتى الآن أن يأتي هذا الإقبال الكبير، لذلك ابدأ ببساطة حتى تضع جهدك في المكان الصحيح.

 

ما هو مفهوم الكونسيرج؟

بالتأكيد دخلت أحد الفنادق وشاهدت أحد الموظفين يساعدك في حمل الأغراض ويرافقك لإكمال إجراءات تسجيل دخولك ثم مرافقتك إلى المصعد ومنه إلى غرفتك لتنزيل أغراضك هناك.

في الفندق يتميّز الكونسيرج بالقرب من النزلاء بحيث يستطيع ملاحظة ردة فعلهم خلال المدة التي رافقهم فيها، فمثلاً ينتبه إذا ظهر عليك التذمر من فترة الانتظار أمام المصعد، أو إذا تأخر موظف الاستقبال في إكمال إجراءات دخولك، وهكذا.

مفهوم الكونسيرج في المنصات الرقمية

بنفس الفكرة، الكونسيرج في اختبارات المنصات الرقمية هو أن تكون أقرب للعميل بطريقة تساعدك على فهم احتياجاته وأهدافه وإجراءاته عن قرب، باستخدام أدوات بسيطة تساعدك على التركيز على الفهم والتعاطف مع العميل وأن لا يُستهلك وقتك في تفاصيل تقنية مشتتة لك في الوقت الحالي.

متى تستخدم الكونسيرج؟ مع مثال

تكون الاختبارات بطريقة الكونسيرج أكثر فاعلية عندما يكون لديك شكوك وتساؤلات حول المشكلة اللي تحلها، بمعنى ليس لديك حقائق كافية حول المشكلة، مثلاً درجة جدية المشكلة (Severity)، هل سيدفع العملاء مقابل هذا الحل أو المشكلة؟ أم مشكلة متأقلمين معها ولديهم حلول بديلة يمكن التعايش معها؟

فمثلًا أحد الرياديين مهتم بتقديم حلول لألعاب الأطفال لكن لا يعرف أين نقاط الألم للوالدين في اختيار ألعاب الأطفال. فبدلًا من “الدرعمة” وبناء منصة سوقية تجمع موردي الألعاب، يبدأ (مثلًا) بتقديم الهدايا على رقم واتساب أو حساب انستغرام تحت عنوان “اطلب أي هدية تصلك للبيت مجانًا”، ثم يبدأ بتسويقه على فئة محددة. بهذه الطريقة سوف تأتيه طلبات محددة ويتناقش مع أصحابها ليفهم تحدياتهم في شراء الألعاب، على عكس متجر إلكتروني يدخل مستخدم ويخرج دون أن تفهم ماذا حدث، هل المشكلة في الاختيار؟ أم خطوات الشراء؟ أم في معرفة كيف يتم استخدام اللعبة بعد الشراء؟ أم غير ذلك.

على الجانب الآخر وفي حالات أخرى قد تكون لمست المشكلة بشكل صحيح، لكن لا يزال الحل وتفاصيله وإجراءاته السليمة غير واضحة أو معقدة، يظهر هذا هذا الشئ أكثر في بيئات الأعمال (B2B) فمثلًا عند بناء نظام محاسبي أو نظام إدارة الموارد البشرية، أو غيرها. وقتها تبدأ بمرافقة العميل عن قرب وتنفذ بعض الإجراءات بشكل يدوي حتى تتأكد من الإجراءات وتلبيتها بالشكل الصحيح، ومن ثمَّ التطوير التقني بعدها.

 

قصة بداية Anchor

لتقريب الصورة أكثر، هنا قصة بداية شركة Anchor التي استحوذت عليها شركة Spotify بقيمة تقارب 140 مليون دولار. تقدم Anchor حلولًا تساعد صُنّاع محتوى البودكاست على استضافة الضيوف عن بُعد عن طريق إرسال سؤال إلى ضيف أو مجموعة من الضيوف يجيبون عليه من أي مكان دون الحاجة للاجتماع المباشر أو عن بعد معهم، حيث يقوم الضيف بتسجيل مقطع صوتي أو مرئي وإرساله للمستضيف (مقدم البودكاست)، والذي بدوره يجمع جميع المقاطع ويقوم بعمل التعديل المونتاج لها من داخل التطبيق، ثم نشرها عبر قنوات البودكاست المتعددة.

قبل أن يطور فريق Anchor أي حلول تقنية متقدمة ومكلفة، قاموا بتقديم الخدمة يدويًا حيث تواصلوا مع بعض مقدمي البودكاست وعرضوا عليهم الفكرة، ثم قاموا بمساعدتهم على تنفيذ الخطوات:

  • يرسل مقدم البودكاست الموضوع والسؤال لفريق Anchor مع قائمة من الأشخاص الذين يرغب في استضافتهم والحصول على إجاباتهم حول ذلك الموضوع.
  • يقوم فريق Anchor بالتواصل مع الأشخاص ويطلبون منهم تسجيل مقاطع صوتية أو مرئية قصيرة ومشاركتها عن طريق البريد الإلكتروني أو الواتساب.
  • بعد استلامهم لجميع الردود يقومون بعمل المونتاج بأنفسهم ثم إرسال المقطع جاهزًا لمقدم البودكاست.

بعد أن لاقت هذه الإجراءات قبولًا بين صُنّاع المحتوى واكتشفوا القيمة المقدمة لهم، قاموا بتطوير المنتج التقني تدريجيًا، وبعد نجاح المنتج استحوذت عليه شركة Spotify بقيمة تقارب 140 مليون دولار.

كما وضحنا في قصة بداية Anchor؛ الكونسيرج هو أسلوب للتحقق بدون تطوير حل تقني، تستخدم أدوات بسيطة لتجربة فكرتك الأولية، تستطيع استخدام الأدوات التي تخدمك من حولك مثل واتساب، صفحات هبوط، مستندات جوجل، أو أي برمجيات جاهزة تساعدك على الانطلاق والاختبار والتعلم سريعًا.

تجربتي في أحد المنصات في مجال السياحة

في أحد المنتجات اللي عملت عليها في مجال السياحة، طورنا نظامًا خاصًا بالتواصل بين مزودي الخدمات السياحية بهدف مساعدتهم على الحصول على عروض وإنشاء مزاد داخل قطاع الأعمال (B2B). وبالنظر لطبيعة الشريحة المستهدفة وتعقيد الحل التقني وبعد أشهر من التطوير لم ترى هذه الخاصية النور بسبب عدم اتفاق أصحاب المصلحة على بعض التفاصيل.

كان الحل الذي اتبعناه هو إيقاف التطوير البرمجي كليًا والعودة إلى الطريقة التقليدية اليدوية، بهدف فهم الإجراءات وكيف تسير إجراءات العمل، وما هي التحديات التي تواجه مزودي الخدمات عند طلب خدمة أو تسعيرة من مزود خدمات آخر.

استخدمنا الطرق التقليدية، ايميلات ونماذج (Forms) فقط بجانب الاتصال والرسائل، نعم هناك الكثير والكثير من العمل اليدوي لكنه على الجانب الآخر سريع في إطلاقه، أيام فقط كانت كافية لتجهيز الأدوات والتواصل مع مزودي الخدمات ثم الإنطلاق.

من خلال العمل عن قرب مع مزودي الخدمات بالطريقة اليدوية اكتشفنا ما يلي:

  1. عملية التفاوض على التسعيرة مهمة، ليست تسعيرة ثابتة أو مزاد بالنموذج الذي تخيلناه سابقًا.
  2. طريقة المفاضلة بين العروض تتدخل فيها معايير أخرى غير السعر، مثل الثقة في مزود الخدمات.
  3. طريقة التعميد والدفع تتم بطريقة محددة بين تلك الشريحة المستهدفة وتتطلب دفع مسبق.

النتائج التي وصلنا لها بعد 5 أسابيع من العمل بطريقة الكونسيرج اليدوية غيرت شكل الميزة جوهريًا، على الأقل 60٪ من التطوير الذي تم سابقاً تم إعادته من جديد.

مميزات تطبيق أسلوب الكونسيرج

هذه الطريقة سريعة وممكن أن تبدأ تجربتك حرفيًا خلال أيام، وكلفة التعديل والتحسين بسيطة للغاية، مما يجعلك أكثر مرونة لأنك تعتمد على أدوات بسيطة، مقارنة بتطوير حل يأخذ على الأقل أسابيع إن لم يكن أشهر.

الأهم أنك تكون أقرب للمستخدم لأنك تتعامل معه مباشرة مقارنة بأغلب طرق التحقق الأخرى التي تتحقق من خلف الشاشات (نسبيًا).

هذه الطريقة تستطيع بدأها بدون حملات تسويقية موسعة، تستطيع فقط استهداف المتبنيين الأوائل (Early adopters) اللذين تعتقد أن المشكلة مؤثرة جدًا لهم، ويمكن إيجادهم في محيطك على أن تنطبق عليهم شروط شريحتك المستهدفة، (محيطك لا يقصد به الأهل والأقارب).

ملاحظات عامة

هذا الأسلوب في التحقق ليس فقط للأنظمة الجديدة، بل يمكن تطبيقه على خاصية محددة داخل منتج قائم بالفعل، لكن هذه الخاصية ليست واضحة معالمها للفريق.

كذلك هذه الطريقة ليست فقط للفرق الصغيرة، القصة التي قصصتها من تجربتي الشخصية كانت بالتعاون مع إحدى الجهات شبه الحكومية وبوجود ميزانيات مالية مخصصة للتطوير.

مقالات ذات صلة

أعلن البنك المركزي السعودي (ساما) عن إصدار تحديثات لقواعد التمويل الجماعي بالدين...

استثمر صندوق Adaverse مبلغ 500$ ألف في شركة التقنية المالية عمرة كاش...

أغلقت شركة أرابل (Arable) السعودية جولة استثمارية (Seed) قدرها 2.55 مليون دولار،...